المكتبة الاسلامية وافتقارها للاصدارات
بعد أن تشبّعت من العزاء والمراثي…
المكتبة الإسلامية تفتقر للإصدارات التربوية والأخلاقية
… لا نزال نعيش واقع افتقار المكتبة الإسلامية والتربوية للإصدارات التي تستخرج الدروس التربوية والأخلاقية من بين ثنايا هذه الواقعة (واقعة كربلاء) وتصوغها في قوالب تتماشى والذهنية العامة وتتناسب ولغة العصر الذي نعيش فيه لتعمل من خلالها على بناء النفس الإنسانية بناء سليماً بعيداً عن الاعتلال، سعياً وراء خلق مجتمع يسمو بذاته وكيانه، ويحتفظ لنفسه بهوية تميزه عن باقي المجتمعات الإنسانية.
وفي إطار هذا العمل، فإنه لابد من التركيز على مرحلة الطفولة على اعتبارها مرحلة التأسيس والبناء. وهذا يقتضي بالضرورة الالتفات إلى عدة أمور، أبرزها:
1) التنوع فــي أســالـيــب العرض كالقصـة والــمــســرح والــكــتــاب والرسوم.. الخ.
2) التدرج في مستويات العرض، بحيث يتم الانتقال من البساطة إلى التعقيد، ومن العمومية إلى التحديد، ومن الإطلاق إلى التخصيص، بشكل تدريجي ومنظم.
3) البرمجة والتنظيم بحيث تصب الجهود المتفرقة في إطار واحد.
4) تناسب العرض مع سن الطفل.
5) إشراك الطفل في عملية الصياغة أو التنفيذ.
6) الابتعاد عن الأساليب التقليدية في التعليم والتوجيه، والتي تعتمد بالأساس على التلقين الجامد، واستبدالها بالأساليب التي تجعل من المتلقي مركزاً للتعلم فيما يتحول المربي والمعلم أو الخطيب إلى محفز للعملية التعليمية
7) استثمار الطبيعة التكوينية للطفل والغرائز النشطة لديه، كحب الاستطلاع والاستكشاف، والفضول، والرغبة في إثبات الذات.. وغيرها، في ترسيخ القيم الأخلاقية ونتاج الدروس التربوية لواقعة الطف في نفس الطفل، وتوطيد علاقته بها .
8) توظيف الصورة والنص من خلال المسرحة الجزئية لأحداث كربلاء مسرحة تربوية وليس مسرحة تاريخية عوضاً عن السرد التاريخي للحدث. فعلى سبيل المثال لا الحصر:
استعراض سيرة بعض شخصيات كربلاء كرقية بنت الحسين مثلاً وبيان طبيعة ونوعية العلاقة بينها وأبويها والمحيطين بها من أقارب وأصحاب، وما تتحلى به من خلق رفيع، يمكن خلق صورة نموذجية للطفل.
9) تفعيل الآثار الإيجابية لواقعة كربلاء من خلال إبراز الشخصيات القدوة على السطح، لتبدأ شخصية “رقية” و “القاسم” مثلاً في الحلول محل “سوبرمان” و”ساندي بل” وغيرها من الشخصيات التي لا نكاد نجد طفلاً لا يحفظ قصصهم عن ظهر قلب. وليبدأ الطفل في التعلق بالصلاة وإظهار الاحترام والتعفف تشبهاً برقية والقاسم، بدل وضع عباءة على ظهره والصعود إلى سطح المنزل ليلقي بنفسه من أعلى في محاولة لتقليد سوبرمان الطائر، أو القفز كسوبر ماريو..
إن هذا الإرث الضخم الذي خلفه لنا الحسين وأهل بيته وأصحابه عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام، وسطروا صفحاته بدمائهم الزكية الطاهرة، ليس مجرد إرث تاريخي، وليس مجرد إرث أدبي، وليس مجرد إرث ديني، وإنما هو إرث تربوي بالدرجة الأولى… وهذا يعني أن واقعة كربلاء هي في الواقع مدرسة تربوية لا تنحصر في دين أو مذهب أو تيار مُعيَّن، فهي مَعينٌ تنهل منه النفس البشرية بغض النظر عن انتمائها، لأن فيه ما يسمو بهذه النفس باعتبارها نفساً إنسانية، لا باعتبارها نفساً إسلامية.
وهذا المعنى يمكن أن نستقيه من قوله عليه السلام وهو يخاطب جيشاً عرمرم اجتمع من كل حدب وصوب لقتله أو إذلاله: “أيها الناس، إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحراراً في دنياكم”..
إننا اليوم في أمسّ الحاجة للبدء الفوري في هذا الاتجاه الذي تأخرنا فيه كثيراً، لنبدأ فعلياً في إزالة تلك الترسبات السلبية في نفوس أبنائنا وملء تلك الفراغات بالقيم الأخلاقية الفاضلة بما يخلق في ذات الفرد حاجزاً منيعاً وحافزاً قوياً لمواجهة ما يتهدد مجتمعاتنا من مخاطر أخلاقية وانحلال أخلاقي وابتعاد عن القيم الإنسانية التي كانت المنطلق الذي انطلق منه الرسول الأكرم (ص) في نشر الثقافة الإسلامية وتعزيز أركان تلك الحضارة التي امتدت في مشارق الأرض ومغاربها.

اترك رداً