تمر علينا خلال السنة مواسم كثيرة تجعلنا نعيد النظر ونتدبر أكثر في علاقاتنا اللامحدودة، وهذا مما يميز المجتمع المسلم الشيعي عن غيره من المجتمعات. عاشوراء، هذا الحدث الكبير الذي كلما نهلنا منه، كلما كان هناك المزيد الذي نجهله عنه. عاشوراء، هو أحد تلك المواسم الذي تنطوي مراسمه على الفكر والتخطيط والهدفية والوعي والمعرفة كما يقول الإمام الخامنئي (دام ظله). في هذا الموسم، نحن على موعد لاستثمار متجدد غير محدود، فالدروس التي جسدها سيد الشهداء الإمام أبي عبداااه الحسين (ع)، تجعلنا تائهين في المساحة التي رسمها الإمام للتفكير والبيان في هذا الموسم. حيث يأتي استثمار النفس كفرصة على طبق من ذهب تُقدم لكل شخص منا يسعى لأن يكون نموذجاً للإنسان الذي ثار الإمام الحسين (ع) من أجله في سبيل صلاح البشرية.
لكل شخص منا صورة ونموذج ومبادئ رسمها لنفسه لتكون هدفاً يسعى إليه في سبيل تحقيق ذاته وتكامله. فهذا يقلد ذاك اللاعب، وتلك تقتدي بتلك الفنانة، وآخرين يرفعون شعارات زائلة كمبادئ يسيرون عليها. هل سألنا أنفسنا؟! هل هذا هو نموذج الإنسان الذي ثار من أجله الإمام الحسين (ع)؟ هل نحاسب أنفسنا على سلوك اقترفناه أو كلمة تفوهنا بها هنا أو هناك؟ توقف قليلاً، وتمعن في رسالة الإمام والنموذج المتكامل الذي يرسمه لنا في علاقتنا باااه وبمجتمعنا وبأنفسنا، فهل ستجد رسالة بهذه المبادئ المثالية والنموذجية المتكاملة في أبعادها؟ وهذا موسم عاشوراء قد أقبل، فاستثمر نفسك وأرسل بها إلى حيث الأمان بعيداً عن مزالق الشيطان. فكونوا حسينيين، وامضوا حسينيين، وسيروا في طريق الحسين (ع) واعلموا أنه طريق سعادة الدنيا والآخرة واااه يمدّكم في هذا الطريق “الإمام الخامنئي (دام ظله)”.
3) عاشوراء… استثمر نفسك (الأعذار والظروف)
يقول الإمام الخامنئي (دام ظله) “لقد أدّى الحسين (ع) رسالته في أحلك الظروف كي لا يبقى لأحد عذر إن قست عليه الظروف”. من هذا المنطلق يجب أن يعيد كل شخص منا قراءته للواقع الذي يعيشه، ليبدأ من جديد، دون التذمر والبقاء على جانب النتيجة الذي وضعنا فيه الآخرون كما نوهم أنفسنا، بل لابد أن نكون وبإرادتنا على جانب السبب الذي نقهر كل الظروف من أجل أن نقرر ونكون. إذا نظرنا إلى ثورة الإمام الحسين (ع) والظروف التي مر بها الإمام منذ توليه الخلافة وحتى استشهاده الشريف، لوجدنا أن الإمام في موقف لا يحسد عليه، ولوجدنا أن الظروف كانت تجري بعكس الرسالة التي كان يريد إيصالها، ومع ذلك انتصرت تلك الرسالة. فهل ظروفنا بالأمس واليوم والغد ستكون بمثل ظروف الإمام؟ إذاً لا عذر لدينا وإن قست الظروف.
4) عاشوراء… استثمر نفسك (كن فعالاً)
لكل منا طريقته في التأثير على الآخرين في إيصال أفكاره التي يعتقد بصحتها. فهذا الإمام الحسين قد آثر في ملايين البشر بثورته الخالدة حتى قال فيه غاندي “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر”. لكي نكون فعّالين ومؤثرين، لابد لنا أن نوسع دائرة التأثير التي حولنا حتى نتأثر بها ونوثر فيها إيجابياً ويكون تفاعلنا نابعاً من معرفة وقرارات اتخذناها بأنفسنا. ولكي نكون إيجابيين، يجب لنا وقبل كل شي أن نحارب الإحباط وأوله الذي نزرعه نحن في أنفسنا. يجب لنا أن نحاور أنفسنا بلغة جديدة، لغة تبعث على التفاؤل والقدرة على التغيير. فكل يومٍ في هذا الموسم هو يومٌ لنا لنبدأ من جديد ونكون طرفاً مؤثر في حل مشاكلنا وإيصال رسائلنا بما نملك من قدرات ومواهب، لا جالسين رِجلً فوق رِجل ناقدين متذمرين دائماً.
5) عاشوراء… استثمر نفسك (إبدأ من النهاية)
إستراتيجية جميلة أن ننظر إلى أهدافنا وكأننا قد حققناها، حينما نتخيل أننا وصلنا وحققنا ما نصبوا إليه، الأمر الذي يجعلنا نجيش كل طاقاتنا وأسلحتنا في الاتجاه الصحيح دون الميل يميناً أو يسار، وتشتيت أفكارنا نحو أمور ثانوية. وهنا نتذكر خروج الإمام الحسين (ع) وهو يردد “إنما خرجت لطلب الإصلاح”، الشعار الذي كان يمثل النهاية اللامتناهية والهدف الرسالي لثورة أبي عبداااه (ع). هذه الإستراتجية تجعل كل فردٍ منا يبدأ في تغيير طريقة تفكيره ليبدأ من حيث يريد أن ينتهي، وبذلك يستطيع أي يضع الخطط والأفكار ويوجه بوصلة عمله نحو ذاك الهدف، حتى كأنه قد حققه لتبقى مسألتي العمل الدءوب والزمان فقط. ولا ننسى حين نضع تلك الخطط أن نضعها على مبادئ وأسس متينة تساعدنا وتحفزنا على الوصول للنهاية.
6) عاشوراء… استثمر نفسك (المهم والأهم)
في المقالين السابقين (كن فعالاً، ابدأ من النهاية) بينا أهمية تغيير طريقة التفكير في تحديد برنامج الحياة الخاص بنا. ونأتي في هذا المقال لنوضح أهمية التنظيم والترتيب لهذا البرنامج حسب الأهمية والأولوية حتى يكتمل مثلث النجاح الشخصي الذي بدئنا. لاحظ الأولويات التي وضعها الإمام الحسين (ع) في ثورته الخالدة حيث قال ” إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”. فإذا حاولنا أن نصنف برنامجنا إلى أربعة أقسام من حيث الأهمية والاستعجال في تنفيذ المهام، سنجد أن هناك الكثير من الأعمال التي نهملها وهي في غاية الأهمية، وأعمالاً أخرى تأخذ الحيز الأكبر من حياتنا وهي لا تمثل أهمية ولا استعجال. تنظيمنا وترتيبنا لأولوياتنا سيجعلنا أكثر مقدرة على الإنجاز، وسيجعل مساحة في برنامجنا لأغلب مهامنا وأنشطتنا إلم تكن كلها.
7) عاشوراء… استثمر نفسك (النجاح للجميع)
بعد أن كونا علاقة جديدة مع أنفسنا تبعث فينا روح التفاؤل والنجاح بتبني منهج جديد في التفكير، ننتقل الآن إلى علاقاتنا في المجتمع حيث أننا على موعد مع الكثير من المواقف والعلاقات المتباينة مع الآخرين، والمهم أننا نعرف كيفية التعامل مع كل تلك العلاقات لنصل إلى برٍ نرسوا عليه جميعاً. إن المتأمل في واقعة الطف، يجد أن الحسين (ع) كان ينظر للطرف المقابل نظرة رأفة ومسئولية ويبكي عليهم كونهم يدخلون النار بسبب قتاله، لذلك كان ولآخر لحظة في حياته يثنيهم عن مبتغاهم في قتله ولكنهم أرادوا غير ذلك. علاقاتنا إما تكون خسارة أو كسب لأحدنا أو كلينا، فدعونا نختار أن الكسب والنجاح للجميع كما كان منهج الإمام (ع). وليكون ذلك النهج أساساً لكل علاقاتنا في البيت والمأتم والعمل وفي كل حدب وصوب من هذه الحياة.
8) عاشوراء… استثمر نفسك (افهم أولاً)
علاقاتنا في المجتمع هي أخذ ورد، سؤال وجواب، مرسل ومستقبل. هذا الانتقال في عملية الاتصال يجعل الأطراف في قمة القدرة على إيصال المعلومات وبكل دقة. أسأل نفسك؟ هل أنا ممن يستمع جيداً للآخرين؟ أو هل أنا ممن يستمع أصلاً؟ إن عملية الإنصات للآخر مهمة جداً في فهمه والحكم عليه. الإمام الحسين (ع) وفي واقعة الطف بشر أنصاره بالجنة بعد أن خبرهم وعرفهم وأنصت لنجواهم. وكذلك الحال بالنسبة لأعدائه، ففتح قلبه إليهم ليحاورهم ولكنهم اختاروا طريق الهلاك. لأننا نحتاج علاقات قوية ومتينة بعيدة عن سوء الفهم، نحن في حاجة إلى أن نفهم أولاً ثم نحكم ونرد. هذا الجو من الفهم بين الأطراف المشتركة في عملية الاتصال سيجعلنا أكثر قدرة على تخطي العقبات التي تحول دون التعاون والخروج بصيغة توافقية مرضية لجميع الأطراف.
9) عاشوراء… استثمر نفسك (التعاون)
المقدرة على التعاون والتناغم داخل الفريق هي الاختبار الحقيقي للنجاح الشخصي والمجتمعي، أي أن الكل كمجموعة أكبر من الجزء كفرد في الفريق. ويتجسد هذا القول بكل معانيه في ثورة كربلاء، عندما قال الإمام (ع): “إن كا دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني”. حيث يعطينا الإمام درساً في التضحية وأن صلاح الأمة ونجاحها ككل يمثل نجاح الإمام نفسه في إيصال أهدافه. إن القوة الحقيقية لأي علاقة بين اثنين تكمن في وجود البدائل واختلاف وجهات النظر. إذ يقول علماء النفس بأن مجموع الاثنين في علم النفس يساوي أكثر من اثنين في التفكير وإيجاد الحصيلة النهائية. لذلك دعونا نجعل من تجمعاتنا وتعاوننا سبيلاً للتناغم وإيجاد الحلول التوافقية لجميع قضايانا دون التركيز على نقاط الاختلاف التي ربما تؤدي بنا إلى التفرقة.
10) عاشوراء… استثمر نفسك (التجدد)
قضية عاشوراء لم ولن تنتهي بانتهاء عشرة محرم أو بانتهاء العام، بل هي باقية ومتجددة على مر العصور كونها ثورة خالدة تبعث فينا روح التجدد والعطاء دائماً. هناك أربعة أبعاد رئيسية لكل فردٍ منا تحتاج إلى تجدد دائم. أولها البعد الفيزيائي المتمثل في الجسم الذي يتجدد باعتنائنا بالأكل والصحة العامة وبممارسة التمرينات. ثم يأتي البعد العقلي وتطويره بالقراءة والإطلاع والتطوير الذاتي المستمر. بعد ذلك يأتي البعد الروحي وفيه التقرب إلى اااه أكثر بممارسة العبادات. وأخيراً البعد الاجتماعي والعاطفي الذي ينمو بالحب وتنمية العلاقات مع الآخرين. دعونا نجعل من عاشوراء إنطلاقة تبعث فينا الخير والثقة بالنفس واستمراراً لروح العطاء. دعونا نعاهد أنفسنا بأن نكون حسينيين متجددين رافعين راية الحق في كل الميادين. سائلين المولى أن نلتقي بكم مجدداً بحال أحسن من هذا الحال
اترك رداً