لمن كان له قلب
الأرض قد خشعت
(1)
قبل المحرم بأربعة أيام كان الأخوان مع ولديهما في السيارة متجهين إلى صلاة الجمعة حين تساءل الأخ الأكبر: هل تشعرون من الآن بأجواء المحرّم؟
فقال أخوه: نعم.. للمحرم طابعه الخاص، الأعلام والسواد وأجواء القراءة.. وحتى رائحة الطبخ.. وغيرها.
قال: أنا أشعر بخشوع الأرض وسكون الهواء وهمس الأصوات وخلوّ الطرقات، كأن الناس قد احتشدوا في المقبرة فعلاهم الوجوم واحتبست الأنفاس فلا تخرج إلاّ بزفرة.. وصارت العيون حبلى بالدموع، فلا أكثر من كلمة أو ربّما نظرة إلى أحد الوجوه حتى تنفجر بالبكاء… وأينما أوليّ فثم صوت الحسين (ع)..
في هدوء الظهيرة.. أروع لحظات الصفاء.. ولو أردت أن أكتب شيئاً تأتيني كربلاء بجلالتها وكآبتها.. فكأني وكربلاء كمن قد رآها..
وفي هدأة الليل.. ألذّ لحظات المنام عندما يطبق جفناي على قطرات من دموع الحزن على مأساة التاريخ، فلا يأتي الصبح حتى اقرأ ما حفظه التاريخ عن عاشوراء الحادي والستين من الهجرة عندما استيقظ الناس في “بريطانيا” وإذا السماء قد أمطرت دماً.. وصارت ألبانهم دماً..
يا إلهي.. ماهذا الإستغراق العجيب!! الأخ في عالم آخر. ماذا تفعل إذا قابلت روحاً بهذا المستوى من التحليق في أجواء عاشوراء؟؟
الإعلام الواقعي
(2)
بالإسلوب الشبابي الساخر خاطب صاحبه قائلاً: الآن مع مجيء عشرة المحرم سيبدأ الضجيج الإعلامي!!
– ضجيج عرفناه.. إعلامي لماذا!!
قال: أنا أعتقد أن معظم الروايات التي يذكرها الخطباء عن الجزاءات غير المتوقعة لبعض الأعمال هي فقط ضجيج إعلامي لجذب الناس للإلتزام بهذا العمل أو ذاك، وإلا فما معنى.. من بكى أو تباكى على الحسين (ع) فله الجنة؟؟ بهذه البساطة؟ أين إذن فلسفة باقي العبادات وضوابطها وشروطها حتي يمكن أن تشم ريح الجنة؟؟
قال له صاحبه وهو يحاوره: هذا بنحو الإقتضاء.. أي أن البكاء على الحسين (ع) يقضي الجنة.. ولكن إذا وجد المانع فإنه هذا المقتضي لا يؤثر.. فمثلاً: النار محرقة.. لكن إذا وجدت الرطوبة أو المسافة فإن النار لاتؤثر..أليس كذلك؟
تراخى وهزّ راسه قائلاً: إذن بشرطها وشروطها..
أضاف صاحبه: نعم.. ونقطة أخرى يجب أن تعرفها وهو الفرق بين الجزاءات والعطايا، فالعطايا من اااه لا تخضع لقانون، فما المانع (لو) أراد اااه تعالى أن (يعطي) الباكين على سيّد الشهداء من القصور والجنان ما يعطيهم؟!
انفجرت أساريره بالقبول.. نعم علينا أن نراعي جميع جهات التكليف ثم لا يبقى على اااه شيء يتعاظمه..
طائر الخيال
(3)
وسط ذهول الحاضرين الذين تجمعوا تحت حرارة الشمس لمشاهدة ذلك المنظر المريع، أخرجوه بلباسه الأبيض مكتوف اليدين معصوب العينين وأقتادوه إلى الحفرة الضيقة التي أعدّت لتنفيذ الحكم.. حيث غرسوا نصفه الأسفل فيها، وبعد أن قرأ شيخ القرية فحوى الحكم.. أشار بيده.. فصار النصف الآخر مرمى للحجارة القاسية التي كانت تملأ قبضات ثلة من الرجال الملثمين، وخلال دقائق.. مرعبة.. كان الرجل هامداً مضرجاً بدمائه.. صرخ عدنان.. من خلف الجموع.. باااه عليكم.. من يكون هذا المرجوم؟؟ فاستدار الجميع نحوه بدهشة.. وقد تسمّرت الدموع في أعينهم:
– هو أنت.. أليس هو أنت؟؟
– أنا؟؟ لا.. نعم.. كأنه أنا، ولكن لماذا يرجموني؟
– ألم تسمع الحكم؟ أنت زاني!!
– أعوذ باااه.. أنا لم أرتكب هذه الفاحشة قط في حياتي.. لا.. لا.. عندما انتبه عدنان من هذا الكابوس كان يشعر بحرارة الموت وهول المطلع فأدرك أن الأمر خطير.. بعد أن التقط أنفاسه استجمع قواه وتوجه إلى شيخ القرية..
إستمع الشيخ جيداً.. أطرق قليلاً.. ثم قال: يا ولدي.. عليك بربط طائر الخيال.. التفكير في الحرام مرض أخلاقي، ولا يعاقب الإنسان على المرض.. ولكن أخشى أن يتحوّل هذا التفكير إلى معصية تعاقب عليها!!
مذكرات شاب
(4)
1- ذهبت للجلوس على جهاز الكمبيوتر وفي نفسي الولوج الى احد المواقع المشبوهة … بصراحة كنت مدفوعاً للمتعة ، فتخلصت من رقابة الناس !!وحاولت أن أتناسى رقابة اااه !! وتجاهلت رقابة الذات التي كانت تؤنبني بعنف فكان قلبي يرتجف بقوة في صدري .. إلا أنني غامرت وأقتحمت .. وبعد لحظات الإنتظار .. جاء الرد .. الموقع محظور!!
فماذا تتوقع ردة فعلي؟؟ أنا المغرور ..بكيت من شدة الإنفعال!! لانني شعرت الأن بأن يد اللطف الإلهي تتلقفني.. يارب.. يامن لم أزل أتعرف منه الحسنى ..أغلقت باب المعصية في وجهي رحمة بي .
2- استيقظت منزعجا .. وقد لاح لي ضوء الصباح من ستارة النافذة ، ياإلهي .. كم الساعة الأن ؟ أنا لم أصلي الصبح . نظرت إلى الساعة وقد تبقى عن طلوع الشمس سبع دقائق .. فلأسرع ؟؟ توضأت على عجل والتقطت التربة الحسينية .. ثم شرعت بيتكبيرة الإحرام إدراكاً للوقت .. وأثناء القراءة تذكرت أنني صليت الفريضة مع أذان الفجر .. وقرأت قرآن الفجر .. أخذت نفسا عميقاً وقد هدأت نفسي ، الحمد لله رب العالمين .. فلأجعل هاتين الركعتين شكراً لله على توفيقاته..
ضبط الجوانح
(5)
جلس الشاب بين يدي ذلك العالم الوقور الذي يأنس بحديثة ،ومع جلاة الشيخ وهيبته إلا أن هذا الشاب كان منجذباً إليه حتى أنه يعاملة كصديق حميم ..
– سماحة الشيخ” قو على خدمتك جوانحي ..وأشدد على العزيمة جوانحي” كيف نفهمها ؟؟
– ابتسم الشيخ وقال : ياولدي .. لك عينان ،تغمضهما عن الحرام ،لك شفتان تطبقهما عن الغيبة ،لك لسان تقول به خيراً أتصمت وهكذا .. جوارحك تحت سيطرتك .
– قال الشاب : نعم .. ياسماحة الشيخ ، والجوانح؟
– أجاب الشيخ:هي القوى الروحية في أعماق القلب ..وهذه القوى ضبطها أصعب من ضبط الجوارح ..مثال على ذلك تخيل الحرام او الباطل ،واحتقار الآخرين ..
– قاطع الشاب قائلاً:حتى وإن كان هذا الآخر عاصياً؟
– قال الشيخ :نعم ..حتى وإن كان عاصياًً،أنت لاتحكم على شخصة ولكن احكم على عمله،وربما كانت عنده شبهة على هذا العمل .. وقد يكون هذا العاصي هو خير منك وخاتمته أسعد من خاتمتك .. من كان يظن أن الحر بن يزيذ الرياحي سوف يكون من أنصار الحسين (ع)؟؟ لذلك فالسيطرة على الجوانح تحتاج إلى عزم وإرادة .. وعندها تكون النتيجة العجيبة !! حتى أسرح إليك.. أسرع.. أشتاق.. أدنومنك.. أخافك.. أجتمع في جوارك مع المؤمنين .
(6)
لمن كان له قلب
أسئلة حيرى ؟!
-
لدي يا أبي سؤال مهم وأعتقد أنه لا يستطيع أحد أن يفهمني غيرك فيه .. ألا وهو تفكيري المتزايد بمظلومية اااه تعالى !!
نعم .. مظلومية اااه التي لم يفهمها الكثير ,فالـااه يشكو نفسه في القران “وما قدروا اااه حق قدره…” والناس غافلون .. إن إحساسي بأن اااه “وحده” يُبكي من كان له قلب .. أرجوك يا أبي إشف غليلي ؟
-
الامام الصادق (ع) يخاطب الشهداء “أنصار الحسين” : بأبي أنتم وأمي !!
كيف يفديهم بأبيه “الباقر (ع)” وهو غني عن التعريف من حيث المقام, والأدنى لا يُفدى بالأعلى؟
-
الملاحظ أننا نواجه البعض وكأننا نعرفهم في مرحلة سابقة بحيث نأنس بهم في أول لقاء… وقد يتفق العكس, أن نستثقل الشخص من أول لقاء .. فما هو تفسير هذه الحالة؟ هل نحن قد عشنا حياة سابقة قبل هذه الحياة؟
-
أعرف ان الغيبة حرام, ولقد اغتبت كثيرا … وطلبت من اااه المغفرة ولكن أعرف لو ذهبت إلى الذي اغتبته وسوف تكون مشكلة كبيرة لأنه كبير السن وعصبي جداً.. فما الحل؟
-
هذه نماذج من مجموعة أسئلة وردت على موقع “السراج” وأجاب عليها سماحة الشيخ حبيب الكاظمي دامت بركاته, وهي مطبوعة في كتاب “مسائل وردود” , كما ان فقال “مذكرات شاب” من هذه الحلقات له صلة بهذا الموضوع … أتمنى من كل قلبي لكل شاب وشابة بما لديهم من حب للحسين (ع) أن يطلّعوا بتوجه على الموقع والكتاب المذكورين لما فيهما من فائدة كبيرة جداً .. واااه الموفق .
كيف يفكّر الشهيد
(7)
ما الذي يجعل الشهيد لايخاف الموت؟ ثم يسعى نحوه؟ ثم يعشقه؟؟
إستشهد ثلاثة من الشباب الإيراني كانوا على مركب أثناء الحرب بقصف الطيران العراقي آنذاك، بحيث تقطعوا إلى أشلاء، وفي المنام رآهم أحد المجاهدين فسألهم عن أحوالهم، فقالوا أنه لحظة قصف الطيران كانت أرواحهم قد خرجت من أجسامهم وأصبحت في مكان عالٍ .. فشاهدوا لحظة إصابة الصاروخ لمركبهم!! وكيف تناثرت أشلاؤهم!! وكأنهم يحضرون فيلما سينمائيا!!
لحظات الإستشهاد لها فلسفة خاصة لا يستطيع الكثيرون إختراق عوالمها.. ولكننا نتساءل: أيها الشهيد .. كيف تفكر؟
– الشهيد : أولا .. لقد كان لي هدف أغلى من حياتي، وضعته أمامي وعقدت العزم على أن يتحقق أو أهلك دونه .. هدف كلكم يتمناه ، ولولاه لكانت الشهادة إنتحارا … ” اااهم إنا نرغب إليك في ….”.
ثانيا .. عملت على تحصيل الاطمئنان القلبي بأن ما أقوم به هو موضع رضا وقبول المولى تبارك وتعالى، ومن كان هذا غاية مناه فهل تتوقعون أن يكون مقصرا في عبادة ربه؟ أو حق إمامه؟ أو مظالم العباد؟
ثالثا .. أنا أعتقد أنكم تفكرون الآن في صعوبة فراق الأهل والأولاد والأموال!! أبداً .. الأمر في غاية البساطة، إذا كان الإنسان مستعدا نفسيا للسفر فهو هيّن عليه .. وإذا كان هو المخطط لهذا السفر فهو عليه أهون .. أليس كذلك ؟؟
تغيرت اللهجة
(8)
” … امنعهم بركات الأرض … ” …
” قطع الله رحمك … ” .. ” سلّط الله عليك من يذبحك … “
من كان يظن أن هذه دعوات ذلك الرجل الإلهي الوقور الذي يفيض محبة وحنانا ؟؟ وتستنزل الرحمات بوجهه ؟؟ ماذا جرى ؟؟ لماذا تبدو جراحات قلبه بين ثنايا هذه الدعوات ؟؟ لقد نفّذوا الجريمة !! وبلغت المأساة ذروتها .. وأصابت الدنيا بالدهشة والذهول .. “ما أجرأهم على اااه .. وعلى انتهاك حرمة رسول اااه (ص) ” !!
ألا يكفي هذا ؟ لقد فجعوه في ولده .. ألن يتركوه ؟
لا .. لقد نذروا إبادة جميع هذه الذريّة ..
انظروا .. ها هو يرجع بالطفل مذبوحاً ودمعه يجري على صدره !! إنه يدعو بحرقة ومرارة.. “اللهم لا يكن أهون عليك من فصيل ناقة صالح .. “، ” إلهي.. إن كنت حبست عنّا النصر فاجعله لما هو خير منه، وانتقم لنا من القوم الظالمين، واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل.. ” هنا ترتبط العاطفة الأبوية و الإيمان الراسخ .. بالموقف المبدئي من القضية .. .
واااه يغضب للبتول بدون أن تشكو
فــكــيــف إذا أتــتــه شــاكـية
ربّ انتقم ممّن أبادوا عترتي
وسبّوا على عجف النياق بناتية
اترك رداً